يجتمع كل من شي جين بينغ وفلاديمير بوتين وناريندرا مودي في قمة مجموعة بريكس في نيودلهي. كما حضر القمة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وسط مشهد جيوسياسي يزداد تعقيداً.
وتُشكّل الرسوم الجمركية والعقوبات الأميركية والحرب مع إيران ضغوطاً متزايدة على العديد من الأعضاء في طريق تنويع علاقاتهم التجارية والمالية.
استضافت الهند، يوم السبت 12 سبتمبر/ أيلول، قادة مجموعة بريكسBRICS، وهي تكتل يضم اقتصادات ناشئة كبرى تسعى لتعزيز نفوذها في نظام عالمي هيمنت عليه طويلاً الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى، وحضر القمة كل من شي وبوتين والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى جانب مودي.
يأتي ذلك في وقت تخوض كل من الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً مع إيران، بينما تواصل واشنطن الضغط على موسكو للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب في أوكرانيا، فضلاً عن أن السياسات التجارية للرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أحدثت اضطراباً في العلاقات مع الحلفاء والخصوم على حد سواء.
⭕️بيان مشترك لبريكس:
— CNBC Arabia (@CNBCArabia) September 12, 2026
🔹نؤكد مجددا التزامنا بالحل السلمي للنزاعات الدولية من خلال الحوار والتشاور والدبلوماسية
🔹التأكيد على ضرورة العمل معا للحفاظ على التدفق السلس للتجارة العالمية وسلاسل التوريد والطاقة
🔹الدعوة إلى نهج متعدد الأطراف يحترم وجهات النظر والمواقف الوطنية… pic.twitter.com/qzH7h8TAq1
وفي ظل هذه الظروف، تسلط القمة الضوء على ما إذا كانت هذه الضغوط تدفع بعض أعضاء "بريكس" نحو مزيد من التعاون في مجالات التجارة والطاقة وأنظمة الدفع، وذلك رغم وجود انقسامات عميقة تحد من آفاق هذا التعاون.
تجدر الإشارة إلى أن سياسات ترامب ليست السبب وراء تواصل هذه الدول؛ فالهند وروسيا تحافظان على علاقات وثيقة منذ عقود، كما أن بوادر الانفراج في العلاقات بين الهند والصين قد بدأت قبل التوترات التجارية الأميركية الأخيرة، إلا أن الرسوم الجمركية والعقوبات وغيرها من أشكال الضغط الاقتصادي التي تمارسها واشنطن تُضيف عاملاً جديداً إلى حسابات هذه الدول، وفق شبكة CNBC.
علاقة معقدة
ستكون زيارة شي هذه هي الأولى له إلى الهند منذ عام 2019، مما يمثل خطوة أخرى نحو انفراج حذر في العلاقات عقب اشتباكات دامية وقعت عام 2020 على طول الحدود المتنازع عليها بين البلدين في منطقة الهيمالايا.
وقد سعى كل من مودي وشي إلى تحقيق الاستقرار في العلاقات، حيث جرت إعادة تسيير الرحلات الجوية واستئناف إصدار التأشيرات والاتصالات رفيعة المستوى. ومع ذلك، لا تزال التوترات قائمة بشأن الحدود، والعجز التجاري الكبير للهند مع بكين، والتنافس الاستراتيجي بينهما في أنحاء آسيا.
كما أمضت الولايات المتحدة سنوات في تعميق علاقتها مع الهند، التي تُعد عضواً في تحالف كواد Quad إلى جانب الولايات المتحدة واليابان وأستراليا.
ولطالما انتهجت الهند سياسة الاستقلال الاستراتيجي، إذ حافظت على علاقاتها مع روسيا وإيران وعملت على تحسين علاقاتها مع الصين، مع الاستمرار في الوقت ذاته في تعميق التعاون مع واشنطن.
كتب تشيتيج باجباي، وهو باحث أول متخصص في شؤون جنوب آسيا في معهد "تشاتام هاوس"، أن التوترات الأخيرة مع إدارة ترامب دفعت نيودلهي إلى إعادة الاستثمار في علاقات أخرى.
وقال باجباي في مقال نُشر في وقت سابق من هذا الأسبوع: "من المرجح أن يعزز اللقاء بين مودي وشي عملية إعادة ضبط العلاقات الثنائية الجارية حالياً، وأن يسهم في بناء الثقة. وقد شهد الاجتماع الذي عُقد في أغسطس/آب بين وزير الخارجية الصيني ومستشار الأمن القومي الهندي تقدماً ملحوظاً بشأن النزاع الحدودي القائم منذ فترة طويلة بين البلدين".
وفي المقابل، لدى روسيا دوافع مختلفة؛ إذ جعلت العقوبات الغربية المفروضة بسبب الأزمة الأوكرانية الشركاءَ من خارج أوروبا والولايات المتحدة يكتسبون أهمية متزايدة. فقد أصبحت الصين شريكاً اقتصادياً حيوياً، في حين تُعد الهند مشترياً رئيسياً للنفط الروسي.
وبالنسبة للرئيس بوتين، توفر العلاقات الاقتصادية الأعمق مع كل من الصين والهند حاجزاً مهماً في مواجهة العقوبات، كما تتيح القمة فرصة لإظهار أن روسيا لا تزال تحتفظ بعلاقات مع بعض أكبر الاقتصادات في العالم.
حملة الضغط التي يمارسها ترامب
جعل ترامب من الرسوم الجمركية ركيزة أساسية في أجندته الاقتصادية والخارجية، في حين تواصل واشنطن استخدام العقوبات وغيرها من التدابير الاقتصادية ضد روسيا وإيران.
وبالنسبة لدول مجموعة "بريكس"، أدى استخدام هذه الأدوات إلى زيادة التركيز على قنوات بديلة للتجارة والمدفوعات.
وقد ناقشت المجموعة سبل زيادة التبادل التجاري بالعملات المحلية وتطوير آليات بديلة للمدفوعات العابرة للحدود. ووفقاً للمحلل باجباي، سعت الهند إلى توجيه "بريكس" بعيداً عن مسعى أوسع نطاقاً للتخلي عن الدولار، مع التركيز بدلاً من ذلك على استخدام العملات الوطنية والمدفوعات الرقمية لخفض تكاليف التجارة العابرة للحدود.
وتزايد اعتماد روسيا على إجراء المعاملات التجارية خارج نطاق نظام الدولار، رغم أن الكرملين صرح هذا الأسبوع بأن موسكو لا تسعى إلى "التخلي عن الدولار" بشكل كامل وصريح.
وكان ترامب قد وصف "بريكس" سابقاً بأنها تمثل "هجوماً على الدولار"، وهدد بفرض رسوم جمركية على الدول الأعضاء إذا ما سعت إلى تقويض العملة الأميركية.
غير أن دول "بريكس" تتباين في وجهات نظرها بشأن مدى رغبتها في تقليل الاعتماد على الدولار، الذي لا يزال يهيمن على الاحتياطيات العالمية والمعاملات الدولية.
"عائلة مختلة!"
توسعت مجموعة بريكس لتتجاوز أعضاءها المؤسسين، البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، وتضم دولاً مثل إيران ومصر وإثيوبيا والإمارات العربية المتحدة وإندونيسيا؛ ورغم أن هذا التوسع عزز ثقل المجموعة الاقتصادي والجيوسياسي، إلا أنه جعل التوصل إلى توافق في الآراء أكثر صعوبة.
وقد وصف سارانغ شيدور، مدير برنامج "الجنوب العالمي" في معهد كوينسي، مجموعة "بريكس" بأنها "عائلة مختلة".
وفي تصريحات أدلى بها يوم الجمعة لبرنامج Squawk Box Asia على شبكة CNBC، أشار شيدور إلى أن خلافات المجموعة برزت "بشكل جلي وواضح للغاية" فيما يتعلق بالقضايا الأمنية، لافتاً إلى عضوية كل من إيران والإمارات في المجموعة رغم وقوفهما على طرفي نقيض في الصراع الدائر بالشرق الأوسط.
وصف شيدوري مجموعة "بريكس" بأنها "نادي براغماتي لأغراض محددة"، مشيراً إلى أن أعضاءها يركزون في المقام الأول على التنمية والتجارة وإصلاح المؤسسات العالمية، بدلاً من السعي لتشكيل تكتل أيديولوجي مناهض للولايات المتحدة.
وفي السياق ذاته، رأى باجباي أن الهند تسعى لأن تروج "بريكس" لرؤية عالمية غير غربية دون أن تتخذ موقفاً معادياً للغرب بشكل صريح، وذلك رغم مساعي بعض الأعضاء لدفع المجموعة نحو مسار جيوسياسي أكثر وضوحاً.
وتُظهر رغبة الهند في تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة طبيعة العلاقات المتشابكة القائمة، مما يعقّد فكرة اعتبار "بريكس" تحالفاً ناشئاً مناهضاً للولايات المتحدة.
كما تحافظ دول أخرى أعضاء في بريكس، بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة، على علاقات مهمة مع واشنطن، بالتزامن مع سعيها لتنويع علاقاتها الاقتصادية؛ إذ تعهدت الإمارات مؤخراً باستثمار 46 مليار دولار في ألمانيا عبر قطاعات متنوعة.
ومن المقرر أن يتوجه الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة في وقت لاحق من هذا الشهر.
وأشار باجباي إلى أن الدول الأعضاء لا تزال ترى قيمة في مجموعة بريكس رغم تباين الرؤى حول دورها، لافتاً إلى أن اللقاء الذي جمع مودي وشي خلال قمة عام 2024 ساهم في إطلاق عملية إعادة ضبط العلاقات بين الهند والصين.
ومع تجدد اللقاء بين شي وبوتين ومودي في نيودلهي، يبرز تساؤل عما إذا كانت الرسوم الجمركية والعقوبات الأميركية وأشكال الضغط الاقتصادي الأخرى ستجعل من هذه القمة محفزاً لتحول جديد.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي